خليل الصفدي

142

أعيان العصر وأعوان النصر

خصوا به من الفتوحات والمواهب ، فكان بحرا يتموّج ، وسهما ينفذ على السواء لا يتعوج . وأما المذاهب الأربعة فإليه في ذاك الإشارة ، وعلى ما ينقله الإحاطة والإدارة ، وأما نقل مذاهب السّلف ، وما حدث بعدهم من الخلف ، فذاك فنّه وهو في وقت الحرب مجنّه ، قلّ أن قطعه خصمه الذي تصدى له وانتصب ، أو خلص منه مناظره إلّا وهو يشكو من الأين والنّصب . وأما التفسير فيده فيه طولى ، وسرده فيه يجعل العيون إليه حولا ، إلّا أنه انفرد بمسائل غريبة ، ورجّح فيها أقوالا ضعيفة عند الجمهور معيبة ، كاد منها يقع في هوّة ، ويسلم منها لما عنده من النيّة المرجوة ، واللّه يعلم قصده ، وما يترجّح من الأدلة عنده ، وما دمر عليه شيء كمسألة الزيارة ، ولا شنّ عليه مثلها إغارة ، دخل منها إلى القلعة معتقلا ، وجفاه صاحب وقلا ، وما خرج منها إلّا على الآلة الجدبا ، ولا درج منها إلّا إلى البقعة الحدبا ، والتحق باللطيف الخبير ، وولّى والثناء عليه كنشر العبير . وكان ذا قلم يسابق البرق إذا لمع ، والودق « 1 » إذا همع ، يملي على المسألة الواحدة ، ما شاء من رأس القلم ، ويكتب الكرّاسين والثلاثة في قعدة ، وجدّ ذهنه ما كل ولا انثلم ، قد تحلى بالمحلى ، وتولّى من تقليده ما تولى ، فلو شاء أورده عن ظهر قلب ، وأتى بجملة ما فيه من الشناع والثّلب . وضيع الزمان في ردّه على النصارى والرافضة « 2 » ، ومن عائد الدين أو ناقضه ، ولو تصدى لشرح البخاري ، أو لتفسير القرآن العظيم ، وكان من صغره حريصا على الطلب ، مجدّا على التحصيل والدأب ، لا يؤثر على الاشتغال لذة ، ولا يرى أن تضيع لحظة منه في البطالة فذّة ، يذهل عن نفسه ، ويغيب في لذّة العلم عن حسه ، لا يطلب أكلا إلّا إذا أحضر لديه ، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرديه . قيل : إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه ، أن يروح معهم يوم سبت ؛ ليتفرج ، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج ، فلمّا عادوا آخر النهار لاموه على تخلّفه ، وتركه لاتباعهم وما انفراده من تكلّفه ، فقال : أنتم ما تزيد لكم شيء ولا تجدد ،

--> ( 1 ) الودق : المطر الشديد وبابه وعد . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 298 ) . ( 2 ) الرافضة : يرى المقريزي أن الروافض هم الغلاة في حب علي بن أبي طالب ويقصد أبي بكر عمر - رضوان اللّه على الجميع - . ويقال سموا رافضه لرفضهم الإمام زيد لحبه لأبي بكر وعمر وقال : هما وزيري جدى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثم فارقوه حتى قتل رضي اللّه عنه . ( انظر : الأديان والمذاهب 3 : 26 ) .